مجلة العلم ....فاتحة عهد الصحافة المتخصصة في العراق

Abstract


لقد حملت رياح التغيير التي شهدتها الدولة العثمانية اثر الانقلاب الدستوري عام 1908، نسائم الحرية، فانطلقت الاقلام من عقالها وتنفس الصحفيون والكتاب، وانعكس هذا التغيير على الحياة الفكرية والثقافية وعلى حرية النشر والتعبير. ولعل اول ما تأثر بهذا التغيير الصحافة التي دخلت مرحلة جديدة غادرت من خلالها تلك القيود والمحددات التي كانت تفرضها السلطنة العثمانية على حق اصدار الصحف وحرية النشر فيها.
وكان العراق اول من شهد مرحلة جديدة من الانطلاق الصحفي، فبعد ان كان عدد الصحف الصادرة فيه قبل الانقلاب الدستوري لا يتعدى اصابع اليد تضاعف عدد هذه الصحف ليصل خلال الاشهر الاولى الى عشرات الصحف حتى وصل في السنة التالية الى نحو ستين صحيفة تنوعت في الصدور بين يومية واسبوعية وشهرية، كما شهدت هذه المرحلة ظهور الصحف المتخصصة.
وعلى الرغم من غياب مفهوم التخصص في الصحافة العراقية انذاك بمعناه الحالي الا ان بعض اصحاب الصحف نحوا بصحفهم منحى تخصصياً بشكل او بآخر. حيث راح بعضهم يصف صحيفته باكثر من صفة، ويحدد لها اكثر من تخصص. فهي عند البعض ((اجتماعية، سياسية فلسفية دينية.....)) وعند البعض الاخر ((كشكول اداب وفكاهات.....))، او غير ذلك من الوصف.
ويبدو ان هذا الوصف العام والمتنوع كان يهدف الى الترويج لهذه الصحف ولعدم تحديد موضوعاتها او تقييدها بنوع من التخصص، لاسيما وان هذه الصحف صدرت في حقبة تاريخية معروفة ساد المجتمع خلالها التخلف بكل اشكاله وضربت الامية اطنابها في جوانبه بشكل لايدع مجالاً للاعتقاد بان اصحاب هذه الصحف كانوا عند نشرهم للموضوعات المتخصصة انما يوجهونها نحو جمهور معين كما هو الحال اليوم وفق مفهوم التخصص في الصحافة ومستوياته الحديثة.
من هنا جاء اختيارنا لمجلة العلم- موضوع بحثنا- اذ ان صاحبها قد وصفها بانها مجلة ((دينية فلسفية سياسية علمية صناعية))، وهذا الوصف حددها بموضوعات متخصصة، جعلنا نبحث في ثناياها ونقلب صفحاتها للوقوف على اهم الاتجاهات لصاحب هذه المجلة ومجال التخصص فيها.
لقد سعينا من اجل تحقيق هدف البحث الى اخضاع جميع اعداد المجلة التي استطعنا الحصول عليها وكانت ((12)) عدداً في حين اهملنا الاعداد الاخرى لعدم توفرها او حفظها. وبذلك كانت عينة البحث تمثل ((50)) في المائة من مجموع الاعداد الكلية البالغة ((24)) عدداً توزعت على سنتين كونها شهرية الصدور. وكان لزاماً علينا ان نتقصى الموضوعات العلمية لنقف على مجموعها ونسبتها الى مجموع الموضوعات المنشورة في المجلة، ليتسنى لنا الاجابة على التساؤلات التي وضعناها قبل الخوض في هذا البحث. والتي من بينها:
1- ما مدى التخصص ونوعه في هذه المجلة؟
2- هل يمكن اعتبار هذه المجلة فاتحة عهد الصحافة المتخصصة في العراق.
3- وما هي ابرز المحاور الاساسية العلمية التي ركزت عليها المجلة؟
وبعد تحديد هدف البحث ومبتغاه كان لابد من الدخول الى هذه المجلة من خلال تمهيد لمعرفة الشخصية التي وقفت وراء اصدار هذه المجلة لاسيما وانه يمثل واحداً من الرعيل الاول الذي كان له قصب السبق في اصدار صحيفة خاصة معتمداً على نفسه وقدراته وامكاناته المادية باذلاً في هذا المشروع كل جهده في وقت كان البعض يرى ذلك من قبيل المغامرة التي يصعب الدخول فيها.
وكان لابد من الاشارة ببعض الوصف لهذه المجلة ليكون مقدمة ومدخلاً تعريفياً ولغرض الوقوف على ابرز المتغيرات الفنية والاخراجية لها خلال سنوات الصدور. وانتهينا في خاتمة البحث بجملة نتائج ظهرت جلية من خلال المتابعة الدقيقة لعموم الموضوعات التي تناولتها المجلة في اعدادها المذكورة.
يتضح مما تقدم ومن خلال دراسة مجلة العلم وتحليل موضوعاتها، انها على الرغم من تنوع اهتماماتها بين العلم والدين والفلسفة والثقافة والاجتماع، الا انها قد غلب عليها الطابع العلمي في حين جاءت الموضوعات الاخرى بالمراتب اللاحقة. ولعل ذلك يتطابق مع صاحب المجلة في توجهه المعروف واهتماماته العلمية التي تمت الاشارة اليها في معرض الحديث عن حياة الشهرستاني. كذلك يتطابق مع الاسم الذي اختير للمجلة ((العلم)). واذا كان غلبة الاهتمام العلمي على بقية الاهتمامات الاخرى في مطلع القرن العشرين يمكن ان يفسر على انه اهتمام منفرد عن بقية الاهتمامات، فهو في ايامنا هذه يمكن ان يعد خطوة نحو التخصص الصحفي الذي لم يجد له مكاناً واضحاً وتعريفاً دقيقاً قبل نحو قرن من الزمن.
فلقد طغى على المجلة بشكل لا يقبل الشك الموضوع العلمي، فهي علمية اولاً وقبل ان تكون دينية او فلسفية او غير ذلك. لاسيما ونحن نتعامل مع لغة الارقام في تحليل موضوعاتها وبيان اهتماماتها. واثبتت هذه الارقام ان الموضوعات العلمية احتلت المرتبة الاولى من بين الاهتمامات الاخرى وهو ما يلبي طموح ويحقق اهداف صاحبها في نشر العلم والمعرفة في مجتمع غلبت عليه الامية وساد فيه الجهل والفقر والمرض، الا ان الرغبة الجامعة لدى شخصية مثل شخصية الشهرستاني في التنوير كانت وراء دعم واستمرار صدور هذه المجلة التي داومت على الصدور سنتين معتمدة على الامكانات المالية الشخصية لصاحبها ومدعومة من فيض علمي ومعرفي اختزلته عقلية رجل الدين والصحفي الذي ضحى بكل شيء من اجل الصحافة ودورها في التنوير والتثقيف والتعليم.
ولذلك نجد المجلة وعلى مدى سنوات صدورها خاضت حرباً ضد الجهل ومن اجل العلم حتى لاقت ما لاقت من العراقيل والمشكلات التي دفعت بصاحبها الى مغادرة البلاد خوفاً من التهديد وتوقفت عن الصدور بعد عامها الثاني.