تراجيدية الشرط الفلسطيني في شعر محمود درويش

Abstract

لعله مما لا يخفى على احد من المهتمين في مجال الأدب والنقد ، على حدٍ سواء ، ان محمود درويش يعدُّ واحدا من ابرز شعراء الحداثة في الوطن العربي ، وقد تميَّز بنتاج ثرّ ومتنوع؛ بدءا من ديوانه الاول ( اوراق الزيتون ) حتى آخر نتاجاته ، فضلا عن كونه يصنّف ، ومنذ بداياته الشعرية ، من روّاد شعراء المقاومة في فلسطين ، الامر الذي يعني ان هذه الدراسة بأزاء تجربة شعرية لمّا تزل في طور التجديد والنموّ والتحوّل ، مما يجعل اية مقاربة لزاوية من زواياها اسيرة الاحتمال والتكهن !! ومما لا شك فيه انّ تجربة درويش الشعرية ، بثرائها الكميّ والنوعي ، لجديرةٌٌٌ باغراء كثير من الاقلام والدراسات للبحث والتنقيب في ثناياها عن مكامن الابداع ، التي ارست دعائم هذه الارضية الواسعة من الاهتمام ، الاكاديمي والجماهيري ، على حدٌّ سواء ، على الرغم من سمة التطور والتحوّل التي لازمتها ، فضلا عن سمتي الغموض والابهام . لقد ادخل محمود درويش الشعر الفلسطيني بوابة الابداع ، وكان وريث المحاولات الحداثويّة التي انجزها كلُ من ابراهيم طوقان ومطلق عبد الخالق وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي ، ومثّل اضافةً وانعطافة في تجربة الشعر الفلسطيني بخاصّة ، والعربي بعامّة ؛ ولئن كان قد بدأ من القضية الفلسطينيّة ، شاعر مقاومةٍ كما يحلو للبعض أن يسميه ، الا انّه لم يتكئ على اهمية هذه القضية في بناء شهرته الادبية ؛ انّما كتب انطلاقا من مواقفه الوطنية متسلحا بادواته الفنيّة وموهبته الفذّة ، ليُدخل القضية الفلسطينية الى عمق الوجدان الانساني ، حتى ارتفعت لديه مفردة الوطن من سؤال السياسة الى سؤال الوجود . وقد نجح درويش في تطوير تجربته الشعرية من خلال الانتقال بقصيدته من قصيدة خطاب الى قصيدة صورة الى قصيدة رؤيا ، دون ان يقع في ارتباك أو تلكؤ أو تراجع . ومما لا شك فيه ان صخرة سيزيف التي حملها درويش ، منذ انطلاقته الشعرية ، أرهقت الشاعر طويلا حتى استقرارها على القمّة ؛ ذلك انه بذل كثيرا من الجهد والمثابرة للخروج بشعره من الأفق الضيق الذي اراد البعض أن يضعه فيه ، وهو افق الشعر السياسي أو شعر القضية او شعر المقاومة ، وقد كان وعيه بهذا المشكل ، سواء على المستوى النظري او التطبيقي ، مبكرا جدا من تاريخ مسيرته الفنية ، هذا المشكل الذي يطرح قضية الالتزام الفني او وظيفة الادب ، والتي أثيرت في وقت مبكر من مسيرة الفن الانساني ، ربما منذ ان قرر أفلاطون طرد جميع الفنانين والأدباء من جمهوريته الفاضلة حتى يومنا هذا !! انه السؤال القديم الذي اثار موجات متنازعة من الكتابات التي تبحث في جوهر الأدب ودوره في خدمة المجتمع وقضاياه المصيرية ، فراحت تطفو بعض المصطلحات الادبية مثل : الادب الثوري والادب التحريضي ، وادب المقاومة .. وكان السؤال الأكثر إلحاحا في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ الامة : ما هو المقصود بالادب الثوري ؟؟ او ثورية الادب ؟؟ ومن هو الشاعر الثوري ؟؟ هل هو الشاعر الذي يصف الثورة ويكون نتاجا ثقافيا لها ؛ ام انه الشاعر الذي تخرج منه الثورة وتكون نتاجا لجهوده الشعرية (1)